الأشعة الكونية: هل هو انبلاج فجر فيزياء جديدة أم مجرد أخطاء إحصائية ؟!

بينت الملاحظات الحديثة وجود خطأ ما في رؤيتنا للكون، ناجم عن تشوه رؤيتنا للأشعة الكونية الأقدم الواصلة لمناظيرنا الفلكية.

مالذي يسبب هذا التشوه؟ هل هي فيزياء جديدة أم أحد غرائب الفيزياء، كاصطدام الأكوان المتوازية؟

قد يبدو الموضوع مشوقاً، لكن أوضحت دراسة نشرت حديثاً في مجلة فيزياء الكون والجسيمات النجمية أن حل هذا اللغز قد يكون أقل تشويقاً. وفقاً لهذه الدراسة فإن سبب التشوه هو طريقة تحليل البيانات والتي أدت إلى شذوذات بيّنة.

قال كاتب الخيال العلمي المعروف اسحق اسيموف:

“إن أكثر العبارات المثيرة التي قد نسمعها في دنيا العلم، والتي تنبئ عن اكتشافات جديدة، هي ليست عبارة (يوريكا = وجدتها) بل عبارة هذا غريب”

ما هو الغريب اذاً؟

يبحث العلماء دوماً عن الشذوذات، والتي هي جزء من البيانات التجريبية والملاحظات، والتي لا تتوافق مع النظريات والأفكار السائدة. تشير النقاط الشاذة إلى اتجاهات بحثية جديدة وتفتح أبواباً جديدة لكشف أسرار الكون. لقد تبنّى البحث العلمي بالنسبة لعلماء الفلك هذه الأيام مطلباً ملحاً جديداً، ليس لأن الأمور ساءت بشكل فظيع، بل على العكس لأن الأمور تمضي بشكل جيد إلى درجة مريبة. تعمل النماذج (الموديلات) الحالية لتوصيف الكون بشكل مذهل، حيث توضح بدقة توزع وحركة المجرات تحت تأثير المادة المظلمة والطاقة المظلمة والجاذبية. كما تفسر هذه النماذج بدقة أنماط الخلفية الكونية الأشعاعية من الأمواج الصغروية (الميكروية)، تلك الأشعة المتبقية من الميلاد مفرط التسخين لكوننا. هذه الأنماط للخلفية الاشعاعية هي نتيجة للفيزياء المعقدة للكون البدائي منذ نمو البذور الأولى للمجرات.

من خلال التجارب المتلاحقة لمجموعة من الأقمار الصناعية (COBE) في التسعينات، و(WMAP) في أعوام نهاية الألفية، ومرقاب بلاك الأحدث، استطعنا كشف النقاب عن تفاصيل أكثر دقة، ومن خلال التدقيق لم يجري الكشف عن أي شذوذات في النتائج. أثارت هذه النتيجة قلق علماء الفلك، لأنهم يعلمون أنه من غير الممكن أن تكون النماذج الرياضية التي جرى تطويرها مكتملة تماماً. كما نعلم نحن أيضاً أن النظريتين العلميتين الرئيسيتين التي نستخدمهما الآن (الجاذبية والمكيانيك الكمومي) لا تتوافقان معاً. لذا كنا نأمل أن تعطينا أنماط الخلفية الإشعاعية المكروية للكون بعض مفاتيح الحل.

الشذوذات في النظام الكوني

بينما تتوافق التفاصيل الدقيقة للبيانات مع موديلاتنا الرياضية، فإن جوانب أكبر مقاساً من أنماط الخلفية الإشعاعية الكونية تنحرف عن توقعاتنا. اعتمد علماء الفلك على مثل هذه الشذوذات (والتي اعطيت أسماء ذات شجون مثل: محور الشر، والبقعة الباردة) كدليل لبناء مجموعة كاملة من فيزياء الغرائب، مثل التمدد غير المنتظم، والأكوان العسراء (الأعسر هو الذي يستعمل يده اليسرى بدلاً من اليمنى)، وتصادم العوالم (الاكوان المتوازية). فهل تكون هذه هي حلول الألغاز التي كنا بانتظارها؟!

تبسيطاً للمفهوم، فإن أحد مشاكل مراقبة الكون هو كون شمسنا مغروزة في عمق مجرة درب التبانة، محاطة بعدد كبير من النجوم الأخرى والغبار والغاز الكونيين، مما يجعل أجزاء واسعة من الكون غير ممكنة المراقبة بسبب حجبها بأجزاء من مجرتنا. يصبح الأمر أسوأ عند مراقبة الخلفية الإشعاعية المكروية الكونية، حيث يصدر الغبار الكوني في مجرة درب التبانة أشعة ذات أطوال موجية متداخلة مع الأطوال الموجية للخلفية الإشعاعية الكونية، مما يشوش على الإشارات التي يراقبها علماء الفلك.

نظرة جديدة إلى معطيات الصورة

تتناول الورقة التي بحثناها اليوم إعادة فحص الطريقة المستخدمة عادة عند مواجهة مثل هذا التشويش، لكشف النقاب عن المناطق من الكون التي يبدو أن الإصدارات الإشعاعية الكونية تسيطر فيها. قام بالعمل عالم الفلك الأوربي أنايس راسات ومعاونوه، والذي يكشف فيه عن أمر مفاجئ، وهو أن عملية إزالة التشويش ذاتها تقوّي من شدة بعض الإشارات الشاذة، هذا الأمر مقلق جداً إذا كنا سنعتمد على مثل هذه الشذوذات لكشف أسرار كوننا. بل ذهب راسات لابعد من ذلك، حيث اختبر المصادر الأخرى لإشارات الخلفية الإشعاعية والتي جرى تجاهلها سابقاً. تضمن العمل فحصاً دقيقاً لحركة مجرة درب التبانة في طريقها عبر الكون، وتداخل ذلك مع الإشارة الخافتة الناجمة عن مرور فوتونات الخلفية الإشعاعية الكونية عبر بلايين السنوات الضوئية. بينت النتائج أن بعض التأثيرات التي جرى تجاهلها في السابق هي في الحقيقة ذات أهمية، والأهم أن معنوية الشذوذات المسجلة قد انخفضت أكثر مما كان معتبراً سابقاً.

هل هي أخبار جيدة أم سيئة ؟!

ربما تعتقد أن هذه الأخبار عظيمة، لأن توقعاتنا النظرية ومشاهداتنا كانت أقرب حتى من توقعاتنا، وهذا حق. لكن إذا كنت تحاول اصطياد مفاتيح فيزياء جديدة من خلال تتبع الشذوذات، فإن نتائج مراقبة الخلفية الإشعاعية في هذه الحالة لن تكون متعاونة في ذلك ابداً. من المهم الأعتراف أن قياس وتحليل بيانات الأشعة الواهنة للخلفية الإشعاعية للكون ليس سهلاً مطلقا، كما أن فصل وتقييم التشويش لهذه الأشعة الواهنة صعب جداً. تساعد هذه الورقة أيضا في تبيان بعض هذه الصعوبات في مراقبتنا للخلفية الإشعاعية الكونية المكروية.

يجب أن نتوقع ظهور الشذوذات عندما نكافح على الحافة النهائية لتشويش التجارب والمشاهدات، ليتبعها بعد ذلك تخمينات نظرية جديدة فتية. بعض هذه الشذوذات ستختفي بمجرد فحصها بدقة وبعمق، بينما ستظهر بعضها الآخر بشكل أوضح وأقوى، معطية مفاتيح لألغاز الكون ومشيرة لاتجاهات جديدة للبحث العلمي.

من الضروري أن نفهم، أن العلم في هذه الأطراف البعيدة نادراً ما يكون واضحاً بشكل جيد، وأجوبته غالباً ما تكون ضمن مجالات اللون الرمادي بين الأبيض والأسود.

 

المصدر: https://goo.gl/eEAFXB

ترجمه بتصرف: سراج يوسف

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *