نيلز هنرك ديفيد بور 1885-1962

دفعني استغراب بعض زملائي الأعزاء من تعلقي بعالم الفيزياء الشهير نيلز بور، إلى كتابة هذا المقال مبيناً سبب إعجابي الشديد به، وواضعاً بين يدي القارئ الكريم شيئاً من سيرة حياته ومواقفه الإنسانية في تشجيعه للعلماء الشباب ووقوفه بوجه شيطان الإنس النووي، وذلك انطلاقاً من قناعته في أن العلم وجد لعمار حياة الإنسان وليس لخرابها ودمارها وسبباً لمعاناته.

طفولته

ولد نيلز بور في الدنمارك كوبنهاغن في 7 تشرين الأول عام 1885 لأب كان يعمل أستاذاً للفزيولوجيا في جامعة المدينة، ولكن هذا الأب لم يكن يرضى لنفسه أن ينغمس في ميدان اختصاصه فحسب، لذلك كان منزله مفتوحاً دائماً لمواكب الزوار الذين كان الكثير منهم زملاءه في التعليم وكانوا مختصين في موضوعات شتى من الفلسفة حتى الفيزياء. وكان بور، على الرغم من صغر سنه، يصغي باهتمام لمناقشاتهم الحامية والطويلة غالباً، فكان يدفعه حديثهم الجدلي إلى التأمل في آرائه الخاصة الغامضة بشأن شتى المواضيع، من اللاهوت والعالم حتى السياسة والاقتصاد، ولم يتعلم من الأحاديث المسائية أشياء عن العلم فحسب، بل سمع أشياء كثيرة جعلته يعجب لماذا كان العالم الفيزيائي كما كان عليه حيث ماكس بلانك يعلن نظرية الكم وكوري وزوجته وإرنست رذرفورد قد استكملوا تحرياتهم في النشاط الإشعاعي.

نشأ بور وتربى على التأمل والتفكير العميق والاستماع إلى المناقشات الجدلية بمختلف المواضيع فنهل منها بشغف وحب شديدين. وهذا مايثير لدي تساؤلاً: كيف نؤثر في شخصيات أطفالنا أثناء اجتماعاتنا ومناقشاتنا ؟!.

أمضى بور طفولته السعيدة مع أخيه هارالد الذي أصبح فيما بعد رياضياً لامعاً، فكانا يقضيان كثيراً من أوقاتهما الحرة في التزلج وركوب الدراجة ولعب كرة القدم، على أن متعتهما لم تمنع أياً منهما عن الالتفات جدياً إلى دراسته وتنسيه اهتمامه العميق بالعلم والرياضيات.

حياته الجامعية

طور نيلز بور عند انتسابه للجامعة عام 1903 وسائله الفكرية الأساسية التي مكنته من اقتراح نموذج للعالم دون الذري يعادل في ثوريته عمل بلانك وأينشتاين. وقد أظهر بور منذ البداية نضجاً ملحوظاً في ميدانه العلمي، إذ أن مشروعه الأول كان يهدف إلى قياس التوتر السطحي للماء، فكان مدروساً بعناية وشمول دفع أكاديمية العلوم في الدنمارك إلى منحه الميدالية الذهبية لعام 1906 (عمره 21 عاماً) وهو مايزال طالباً لم يتخرج بعد.

وكانت طريقه بور في بحثه تقوم، حتى وهو في بداية دراساته، على النظر إلى المسألة من مختلف جوانبها والتأمل ملياً مدة أشهر أو حتى سنوات في أوجه عدم الإتساق فيها، ليقوم بما يلزم من تصحيح أو صقل لما يراه نابياً إلى أن يصل إلى ما يعتقد أنه الإجابة المرضية، في حين كان فكر أينشتاين السامي يمنحه تلك الرؤية الحدسية في الفيزياء، فكانت طريقة بور أكثر منهجية، إذ بنى وجهة نظره عن العالم مبتدئاً كما يبدأ البناء بوضع لبناته على الأرض لبناء حائط المنزل، وهذا سر قوته فهو يكمن في تصميمه على متابعة التأمل في مسألة معينة من مسائل الفيزياء لكي يرى عسى أن يكون هناك حل إضافي، حتى بعد زمن طويل من توصله إلى ماقد يرى فيه معظم زملائه أنه حل مرض.

إصراره لتحقيق هدفه

رحل بور إلى جامعة كامبردج بعد أن أنهى أطروحة الدكتوراه عام 1911 (عمره 26 عاماً)، آملاً القيام ببحث ذري في مختبر كافندش مع تومسون، ولكن تومسون لسوء الحظ كان قد فقد اهتمامه بهذا الموضوع فأخفق في تقدير أهمية أطروحة بور التي قدمها له مترجمة من الدنماركية إلى الإنكليزية ترجمةً بذل بور جهداً كبيراً لإنجازها، وقد رفضت جمعية كامبردج الفلسفية هذه الأطروحة كونها طويلة ومكلفة الطبع كما أخفقت محاولاته فيما بعد لنشرها.

واجه بور عائق اللغة أمامه كما يواجهه معظم الطلاب العرب الآن أيضاً، حيث كانت لغته الأم الدنماركية بينما اللغة السائدة في العالم الإنكليزية، إلا أن إصراره وحبه للعلم جعلاه يثابر ويتعب فصغرت العقبات في عينيه بل أصبح عملاقاً أمامها.

راح بور يبحث بعد خيبة أمله عن مدير جديد يشرف على بحوثه يمكن أن يكون متعاطفاً مع اهتمامه بالنظرية الذرية، فوجد ضالته في شخص إرنست رذرفورد، والتحق بمخبره في مانشستر، وفي غضون ثلاثة أشهر من عام 1912 (عمره 27 عاماً) عامرة بالنشاط وضع أسس ما أصبح يعرف بـ(نظرية بور في تركيب الذرة) فساعد هذا العمل على إزالة عدد من المفارقات التي كانت قد برزت في جدول مندلييف الدوري، غير أن اكتشاف بور لم يلق في ذلك الوقت سوى قليلاً من الاهتمام حتى أن مرشده رذرفورد حاول بدافع من طبيعته المحافظة أن يثني بور عن نشر نتائجه، ولكن برودة حماسة رذرفورد لم تمنع الشاب الشعلة بور من العمل قدماً في تطوير نموذجه الذري الذي يفسر استقرار مدارات الإلكترونات حول النواة.

وقد ترك التفسير الذي قدمه بور مبيناً سبب استقرار باطن الذرة أثراً هائلاً في دراسة الفيزياء الذرية، ففي تبنيه فكرة بلانك عن كم الفعل لتفسير استقرار الذرة بساطة ورشاقة بالغتين، فبشّر بذلك بواحد من أهم التغيرات الثورية التي حدثت في الطريقة التي ينظر بها العلماء إلى تكوين الذرة. وقد نشر بور نتائجه تلك في عام 1913 (عمره 28 عاماً) في مجلة التقارير الفلسفية التي تصدر عن الجمعية الملكية.

وفي عام 1916 (عمره 31 عاماً) عاد بور من مانشستر إلى كوبنهاغن ليتسلم هناك منصب أستاذ أحدث لأجله في الجامعة، ثم أصبح بعد أربع سنوات (عمره 35 عاماً) مديراً لمعهد الفيزياء النظرية الذي مولته فئة خاصة من الأفراد المهتمين بالحفاظ على أبرز عالم دنماركي كي لا يعود إلى إنكلترا تاركاً وطنه ليقوم ببحوثه الذرية، فاجتذب هذا المعهد إليه كثيراً من فيزيائيي العالم الرواد وساعد في إقامة علاقات علمية وتنميتها فأسفرت عن مجموعة متنوعة من الاكتشافات المهمة في الفيزياء النووية.

مبارزاته العلمية مع أينشتاين

التقى بور بأينشتاين (الذي يكبره بست سنوات) لأول مرة في عام 1920، وفي حين كان كل من الرجلين معجباً بالآخر إعجاباً عظيماً، فقد كانا خصمين فكريين لا يلينان، واستمر الجدل بينهما طيلة العقود الثلاثة بشأن مضمون نظرية الكم، فكان كل منهما مقتنعاً بأن صاحبه على ضلال، ذلك لأن أينشتاين كان أول من أتى بنفحة تقدير غير متوقعة للفكرة القائلة أنه يمكن أن يتألف الضوء من أمواج وجسيمات معاً، ودعم الفكرة القائلة أنه يمكن تطبيق نظرية بلانك الكمومية على المادة نفسها مثلما سبق أن طبقت على الإشعاع. أما بور فهو الذي أتى بالتأييد العلمي لأولى هاتين الفكرتين بمبدأ التتامية Complementarity، وجعل للفكرة الثانية أساساً بتفسيره نموذج رذرفورد النووي. ومع ذلك لم تولد هذه الأفكار العظيمة وحدة بين الرجلين، بل ولدت خلافاً كبيراً بينهما، ومع أن معظم الفيزيائيين أقرّوا لبور أخيراً بالنصر وقبلوا حجته، فإن اعتقاد أينشتاين بالحتمية، والمتضح بملاحظته الشهيرة “إن الله لا يلعب بالنرد”، قاده إلى مواصلة الجدل حتى آخر حياته في مواجهة الإحصاء الاحتمالي الذي يؤيده بور.

كانت المعركة بينهما شبيهة بالمباراة بين لاعبين حذقين في الشطرنج. حيث واظب أينشتاين، طوال مؤتمر علمي شهير عقد في سنة 1927، على افتتاح المناظرة (المباراة) أثناء طعام الصباح بتجربة تخيلية لإثبات رأيه، كما واظب بور وزملاؤه التشاور في شأنها، ثم في موعد شرب الشاي كان يبين بطلانها. كان بور يناقش حجج أينشتاين متوقعاً أن يجد فيها مغالطات دقيقة، وكانت ثقته مستمدة من فلسفته. وقد أقر أينشتاين في النهاية بأن موقف بور يؤخذ به منطقياً، لكنه وكما قال أينشتاين “يتعارض مع فطرتي العلمية بحيث لا أستطيع التخلي عن البحث عن تصور أكثر اكتمالاً”.

كانت آراء أينشتاين الفلسفية عن فيزياء الكم سبباً في تخلفه في السنوات الأخيرة من حياته عن ركب المجتمع الفيزيائي، وعجّلت بانسحابه من سواد المؤيدين للفيزياء الحديثة. ومع ذلك فقد كان بور يأسف دائماً لأن تحيز أينشتاين للسببية الصارمة في المجال الذري كان سبباً لقطع صلاته مع زملائه من الفيزيائيين الذين كانوا يسلمون على نطاق واسع بمبدأ التتامية، بل يصعب أن نقدر إلى أي مدى هيأت إعتراضات أينشتاين الفرصة لبور كي يدعم تماسك نظريته.

شهرته وتواضعه

وفي عام 1922 (عمره 37 عاماً) منح بور جائزة نوبل في الفيزياء، أي بعد عام من تسلم أينشتاين للجائزة من مؤسسة نوبل، فأعقب تسلمه هذه الجائزة سيل عارم من درجات التكريم والميداليات، ولكن جائزة نوبل جعلت اسمه مألوفاً لدى أناس كثيرين في أوروبا وأمريكا، فدفعته هذه الشعبية الضخمة إلى إلقاء محاضرات أكاديمية وجماهيرية عبر القارة كلها، كما ساقته جولات محاضراته إلى الولايات المتحدة حيث أمضى معظم أيامه هناك بالقرب من مدينة برنستون وأقام علاقات صداقة دائمة مع الكثير من الفيزيائيين من أمثال روبرت أوبنهايمر، وجون سلاتر، وكان زملاؤه يقفون احتراماً له لدى دخوله في حين يقف هو بحياء عند العتبة، إلا أن هذا كله لم يؤثر في صداقاته الشخصية، أو في استغراقه الكلي في السعي بإجلال لفهم الطبيعة، غير أن تألق شهرته كان أعظم ما يكون في الدنمارك فكان شخصية أسطورية وحفظ اسمه معظم تلاميذ المدارس، وحتى سائقو حافلات الترام كانوا على علم بمكانته وعدّوه بطلاً من أبطالهم القوميين، وكان يقطن بوصفه العالم الدنماركي الأول في “مقام الشرف” في حدائق مصنع كارلسبرغ للجعة حيث الأقداح الهيفاء والجعة المعتقة الجاهزة عند الطلب.

تعاون بور مع باولي وهايزنبيرغ وديراك في تطبيق ميكانيك الكم على الحقل الكهرطيسي. وبعد اكتشاف تشادويك للنترون، عقدت قبيل نهاية عام 1935 حلقة دراسية في المعهد، وحدث أثناءها أن بور، الذي كان ذهنه نشطاً ولكن متحيراً، طفق يقاطع حديث أحد المحاضرين، وفجأة انقطع كلام بور قبل أن يكمل الجملة وجلس كأنه متوعك، وبعد لحظة هب واقفاً من جديد وهو يبتسم قائلاً “الآن أدركتها”، وابتكر بعدها مفهومي نموذج قطرة السائل للنواة والنواة المركبة.

تشجيعه لجيل الشباب الصاعد

ظهرت البوزترونات في التفاعلات النووية في المختبر لأول مرة على يد الزوجين إيرين (ابنة ماري كوري) وزوجها فردريك جوليو باستعمال منابع البولونيوم القوية. ولمّا أعلنا هذه النتائج غير المتوقعة في مؤتمر علمي في بروكسل عام 1933 قوبلا بالتشكك من قبل علماء الفيزياء الكبار، حيث كان الزوجين في سن الشباب، فشعرا بالاكتئاب إلا أن بور نفسه لا من هو أقل شأناً، وهو من أعلام الفيزياء البارزين، أخذ الزوجين جانباً وشجعهما على المثابرة بما يقومان به ورفع من معنوياتهما كثيراً، فارتدت الحماسة والنشاط في روحيهما وقلبيهما الشابين وانكبا إلى المختبر يجريان الأبحاث ويعمقان الدراسة، وفعلاً بعد بضعة أسابيع من المؤتمر حققا فتحاً جديداً عظيماً.

فكانت وقفة العالم الأب بور إلى جانبهما سبباً في النجاح الذي حققاه، فكم يؤثر تشجيع المعلم في سلوك طالبه ونهجه، لا بد أن كل واحد منا مر بلحظات مشابهة في حياته وذاق لذتها عند التشجيع ومرارتها وألمها عند اللامبالاة والتهميش، وأذكر في هذا الموقف أستاذي الدكتور فخري كتوت رحمه الله. ذهبت إليه في صيف عام 2005 وبين يدي استنتاج بسيط لعلاقة رياضية توصلت إليها للتخلص من إجراء أحد أشكال التكامل بالتجزئة المتكرر في مسألة فيزيائية، فاستقبلني بوجه مضيء مشرق بشوش لن أنساه ما حييت وأصغى إلي باهتمام وأمسك بدفتري الصغير فقرأ الاستنتاج وأقر بصحته ثم أثنى علي وشجعني، وعلمت بعد ذلك أن استنتاجي البسيط ما هو إلا حالة خاصة من علاقة رياضية شهيرة. أسأل الله أن يرحم أستاذي الدكتور فخري كتوت ويجزيه عنا خير الجزاء ويسكنه فسيح جناته.

تعرض حياته للخطر

عندما نشبت الحرب العالمية الثانية فتح بور أبواب معهده للعلماء الذين فرّوا من النازيين في الدول المحتلة، ثم رفض في ربيع عام 1940، عند اجتياح الدنمارك، أن يغادر بلده لأنه كان يعتقد أن وجوده في بلده ألزم من أي عمل كان يستطيع أن يقوم به في انكلترا أو في الولايات المتحدة. إلا أن النازيين حاولوا أن يرشوه لكي يعمل إلى جانب دول المحور فرفض بور بإصرار أن يقوم بأي بحث يمكن أن يسهم في مجهود الحرب الألمانية. وفي عام 1943 كان عليه أن يفر إلى السويد طلباً للنجاة في قارب صيد حيث حذره موظف ألماني شجاع “فردناند دكفيتس” في السفارة الألمانية في كوبنهاغن، بأن النازيين يخططون لاستخدامه نموذجاً لأولئك الذين يرفضون التعاون مع الحكومة الألمانية.

حاجة مشروع منهاتن إلى نيلز بور

اتخذ بور طريقه أخيراً إلى الولايات المتحدة ضمن الفريق البريطاني، واخفى هويته عن العالم الخارجي باسم مستعار وهو “نيكولاس بكر”، وقام بزيارات طويلة إلى لوس آلاموس التابع لمشروع منهاتن لمواصلة الحرب بعد هروبه من الدنمارك. دُعي بور المعروف ببصيرته الفيزيائية الثاقبة لتدقيق محاكمات علماء الفيزياء العقلية والبحث عن الأخطاء والسهو في  لوس آلاموس. وسُئل بور ذات مرة عن فرص مشروع منهاتن فأجاب “سوف ينجح بلا ريب، ولكن ماذا بعد ذلك؟!”.

عفريت القنبلة الذرية

كان بور يحاول خلال حواراته مع زملائه العلماء في منهاتن أن يثنيهم عن صنع القنبلة الذرية بسبب علمه وبصيرته بأن القنبلة ستجلب الخراب والدمار، فبدا وحيداً آنذاك، ينظر متجاوزاً الحرب إلى المشاكل التي سوف تثيرها القنبلة الذرية في السنوات المقبلة. كان بور يعرف حق المعرفة أنه بمجرد أن يفلت عفريت القنبلة الذرية من قمقمه فإن أي قوة عظمى في العالم ستتمكن من صنع قنبلتها الخاصة، فناقش أفكاره مع روزفلت (الرئيس الأمريكي) وبوش (رئيس هيئة بحثية خاصة هي معهد كارنيغي) واللورد هاليفاكس واللورد تشرول وآخرين وكان معظمهم متعاطفاً معه، إلا أن آراءه في نظر تشرشل (رئيس وزراء بريطانيا) مثالية صوفية، وقد أمكن بصعوبة ثني تشرشل عن النظر إلى بور على أنه خطر أمني محتمل جسيم. ومع ذلك فقد اصطدمت توسلاته بآذان صماء وذهبت كل اقتراحاته لروزفلت وترومان (الرئيس الأمريكي الذي تلا روزفلت) للقيام بعمل ملموس أدراج الرياح.

وبعد إلقاء القنبلتين على هيروشيما وناغازاكي كان بور يبدو كأنه يحمل حملاً ثقيلاً، فالطبيعة التي كان مبتهجاً بدراستها طوال حياته بدت له فجأة غير لطيفة ومليئة بالأخطار، وأصبح نتاجها النهائي الجروح والحروق والأمراض الإشعاعية والدمار والموت، فهو من آمن بأن العلم يجب أن يكون سبباً لراحة الإنسان وخدمته وفهمه لظواهر الطبيعة من حوله لا أن يكون سبباً لمعاناته وقتله.

بور والسلام

أصبح بور في السنوات التي أعقبت الحرب منهمكاً في البحث عن سبل لتجنب الحرب النووية بأن عمل على تكوين لجنة دولية لمراقبة تطوير الطاقة النووية واستخداماتها، وكان في ذلك الوقت يشرف على إدارة معهده وعمل مستشاراً لمشاريع الحكومة الدنماركية وذلك لاستخدام الطاقة النووية للأغراض السلمية.

اهتم بور بالإنسان بل وضعه في المرتبة الأولى، فأراد أن يوقف المعاناة الناجمة عن حرب نووية محتملة، فأرسل إلى أندريه سخاروف “أبو القنبلة الهيدروجينية الروسية” الذي تأثر بتوسلات بور لأجل عالم أكثر انفتاحاً. وقد عبّر بور عن طلباته هذه لأول مرة عام 1944 وصارت شغله الشاغل بقية عمره، ووجه في 9/6/1950 رسالة مفتوحة صيغت بعناية إلى الأمم المتحدة حول هذا الموضوع، لا بد أنها بدت للسياسيين المشغولين أثناء الحرب الباردة مبهمة وغير عملية، إلا أن أفكاره لامست في ذهن سخاروف وتراً تجاوب معها، وكانت بلا ريب عاملاً في تطوير تفكيره الخاص تطوراً لافتاً للنظر حيث أصبح سخاروف مكافحاً لأجل حقوق الإنسان.

وفاته

في 18 تشرين الثاني 1962 (عمره 77 عاماً) أصيب بنوبة قلبية، فوضع الموت حداً لحياة واحد من أعظم العلماء متعددي المواهب الذين عاشوا على مر الدهور، فأخّر بذلك إلى حد ما مجرى تلك التطورات التي كانت قد بدأت منذ ستة عقود بنظرية بلانك الكمومية ونظرية أينشتاين النسبية.

المراجع

  • Encarta Encyclopedia 2009
  • نشوء العصر الذري، ألوين ماكاي، ترجمة د. مكي الحسني الجزائري.
  • قصة الفيزياء، لويد متز وجيفرسون هين ويفر، ترجمة د. طاهر تربدار و د. وائل الأتاسي.
سامر عبد الرزاق بكر

أيلول 2012 – دمشق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *