Wi-Fi والسرطان !

أستعرض في هذه المقالة الجدل الذي وقع إثر نشر بحث يتعلق بالتعرض للأشعة غير المؤينة وخلاصة ثلاث مقالات متضاربة هزّت موقع مجلة Forbes، الأمريكية الشهيرة المتخصصة في الاقتصاد (ولكنها تنشر مقالات متنوعة أيضاً)، فكان ذلك كمرآة لما حدث من فوضى صحفية.

البحث المثير للجدل

نُشر في نهاية عام 2014 بحثٌ في مجلة Journal of Microscopy and Ultrastructure، بعنوان “لماذا يمتص الأطفال الإشعاع المايكروي أكثر من البالغين؟”، وعولجت النقاط التالية:

  1. يمتص الأطفال كمية أكبر من الإشعاع المايكروي مقارنة بالبالغين.
  2. الأجنة أكثر عرضة للخطر الإشعاعي المايكروي من الأطفال.
  3. لم تتغير حدود التعرض للإشعاع المايكروي منذ عقود.
  4. تحذيرات أدلة الأجهزة الخلوية وقاعدة الـ 20 سم للحواسب المحمولة واللوحية.
  5. الإشعاع المايكروي مسبب للسرطان، وخافض للخصوبة لدى الرجال.

فُسِّر الامتصاص الأكبر للأشعة المايكروية بحساسية نسج الدماغ عند الأطفال وسماكة الجمجمة عند البالغين والحجم النسبي الصغير للأطفال. وأُشير لزيادة خطر الإصابة بسرطان الثدي لدى الإناث إذا ما وضع الهاتف المحمول في حمّالة الصدر لفترات طويلة !

مقالة موقع Forbes الأولى

نشرت بتاريخ 13 كانون الثاني 2015، لـ (روبرت سزكزربا) بعنوان “اقترحت دراسة: إن تعرض الأطفال لإشعاع Wi-Fi الآن أكثر خطراً مما كان معتقداً من قبل”.

تحدث روبرت عن البحث المثير للجدل وعن خطورة تعرضنا للأشعة غير المؤينة من هواتفنا المحمولة ومن أجهزة Wi-Fi، ونصح بتخفيف التعرض لتقليل وقوع الضرر قدر الإمكان، لا أن نرمي هواتفنا ولا نستخدمها، بل ينبغي أن نفكر بوسائل الحماية ونوعية الأجهزة التي بين أيدي أطفالنا وزمن استخدامهم لها وما هي عواقب الاستخدام على المدى الطويل؟

مقالة موقع Forbes الثانية

نشرت بتاريخ 19 كانون الثاني 2015، لـ (فاي فلام) بعنوان “لماذا يقول العلماء إن إشارات Wi-Fi لن تسبب السرطان لأطفالكم”.

أشارت فلام إلى الضجة التي أحدثها البحث عن خطر أشعة Wi-Fi في وسائل الإعلام وموقع Forbes أيضاً حيث نشر المقالة التي سبق ذكرها، ولكنها نظرت إلى الموضوع من زاوية أخرى، حيث رأت أن البحث عبارة عن سلة نتائج لعدة دراسات سابقة، اعتمد الباحثون بتحليلهم عليها وجزموا بخطورة الأشعة المنبعثة عن أجهزة Wi-Fi والأجهزة الخلوية وسببها للإصابة بالسرطان لدى الأطفال، ولكن لم يغير البحث شيئاً في المجتمع العلمي بشكل عام والمجتمع الأمريكي للسرطان بشكل خاص، لأن قليل من الباحثين يدّعي وجود خطر من الأشعة الراديوية بينما الغالبية العظمى يصر على اعتبارها مجرّد فكرة غريبة ولا صحة لها. كما ذكرت فلاي في مقالتها عدة نقاط ضعف في البحث وهي:

  1. أشار البحث إلى دراسات قليلة جداً لإثبات الصلة بين السرطان و Wi-Fi، وأهمل العديد من الدراسات الكبيرة التي لم تستطع إثبات تلك الصلة.
  2. طرح الفكرة الغريبة بأن وضع الهاتف المحمول في حمّالة الصدر يسبب سرطان الثدي ! لأن من الصعب تخيل وضع الهاتف المحمول في حمالة الصدر (أو هذا ما لا يفهمه الرجال على الأقل !).
  3. ذكر تصنيف منظمة الصحة العالمية للأشعة الراديوية ضمن مجموعة Class 2B وهي مجموعة من المواد قد تسبب السرطان، وأغفل البحث من ناحية أخرى وجود الخضار المخللة والأكواب البلاستيكية والقهوة في نفس المجموعة.
  4. التحذير من المادة الرصاصية إذا وجدت في الهواتف النقالة وتسببها المحتمل للسرطان، بينما تكمن المشكلة حقاً إذا تعرّض الأطفال لمادة الرصاص في السمية الكيميائية العالية ولا يكون السرطان (المحتمل) أكبر المشاكل.
  5. ذكر عدة تعليمات لعدة دول تشير لخطورة استخدام الهواتف النقالة وأغفل ذكر تعليمات وملاحظات كثيرة أخرى تذكر الهواتف النقالة وأجهزة Wi-Fi وتشير إلى كونها لا تسبب السرطان.

وأضافت فلاي نقلاً عن البروفسور في جامعة دريكسل ليونارد فاين غولد أن فقط فوتونات غاما والأشعة السينية وفوق البنفسجية لها الطاقة الكافية لتخريب شرائط DNA وحدوث الطفرات وهي الآلية المعروفة التي تزيد من خطورة السرطان. ولكن الهواتف النقّالة وأجهزة الوايرلس تبعث أشعة ضعيفة غير كافية لتخريب شرائط DNA، وإذا ما افترضنا جدلاً أن الأشعة الراديوية تخرّب شرائط DNA وتسبب السرطان كما يدّعي البحث، فإمّا إن تكون هناك آلية غير معروفة حتى الآن لتخريب الشرائط أو أن قوانين الفيزياء خاطئة ! ولكن لن تعمل أبداّ هواتفنا النقالة وأجهزة Wi-Fi إذا كانت قوانين الفيزياء خاطئة لهذه الدرجة.

يؤمن العلماء بأن الأشعة الصادرة من الهواتف النقالة أقوى من تلك الصادرة عن أجهزة Wi-Fi ومنذ عدة سنوات ازداد استخدامنا للهواتف النقالة بشكل ملحوظ وبالتالي يجب أن تزداد حالات الإصابة بسرطان الدماغ وهذا لم يتم أبداً. ربما كان التعرض لهذه الأشعة مضراً بشكل أو بآخر ولكن لا يجب أن نشغل أنفسنا بتخيلات وافتراضات ونهمل مشكلات حقيقية كالتدخين والتقصير في إعطاء الأطفال اللقاحات الضرورية مثلاً.

مقالة موقع Forbes الثالثة

نشرت بتاريخ 20 كانون الثاني 2015، لـ (ستيفن سالزبرغ) بعنوان “التعرض لـ Wi-Fi لا يقتل أطفالكم”.

كتب ستيفن مقالته بقلم لاذع غير مدبر وهاجم بأسلوب متهكم زميله روبرت صاحب المقالة الأولى عن البحث في موقع Forbes، ونسف القواعد التي بنى عليها روبرت مقالته من جذورها، كما ذكر نقاط الضعف التالية في البحث:

  1. نشر البحث في مجلة غير متخصصة بالإشعاع أو الصحة البيئية.
  2. اثنين من الباحثين يعملان في منظمة خاصة هدفها الترويج لفكرة (الهواتف النقالة وأجهزة Wi-Fi مسببة للسرطان)، أما الباحث الثالث فهو متخصص بالأعصاب ولكنه لم يجب عن التساؤلات عندما حاول ستيفن الاتصال به.
  3. لا يعتبر البحث علمياً أبداً بطريقة العرض حيث كان سرداً لأبحاث لا صلة لأحدها بالآخر.
  4. استشهد البحث بدراسة أسترالية لا علاقة لها بالأشعة المايكروية أو Wi-Fi أبداً ولكنها دراسة لمعدلات الإصابة بالسرطان في أستراليا.

الخلاصة

قام روبرت بكتابة مقاله مستنداً على البحث دون أي تدخل منه بالتحقق علمياً من صحة ما نقل، أما ستيفن استجاب بردة فعل حادّة رغم صحة النقاط التي ذكرها، والحقيقة أن المقالة الأجمل في رأيي كانت لفاي فلاي التي ناقشت الفكرة بشكل منطقي واستعانت بالخبراء للتوضيح وتسليط الضوء على جميع نقاط البحث الأساسية ومعالجتها.

لا شك بأن البحث المذكور أثار ضجة حقيقية في الأوساط الصحفية والجمهور والعلماء لخطورة السرطان وخاصة إذا تعلق الأمر بالأطفال، ولكن يجب علينا دائماً (إن كنّا غير متخصصين) الرجوع إلى الخبراء في المجال وانتظار التوضيح والتفسير منهم، ولا ينبغي علينا السير وراء الشائعات واكتساب معلوماتنا من صحف ووسائل غير متخصصة. كما نرجو أن يتحقق الصحفيون من دقة أخبارهم قبل نشرها.

سامر عبد الرزاق بكر

One thought on “Wi-Fi والسرطان !

  1. Rafat Almafhagi says:

    دائما مبدع اخي سامر بكر…تحياتي لك والى الامام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *