تأثير الأشعة المُؤيِّنة على الخلية الحية

images (1)

إن امتصاص الخلايا لطاقة الأشعة المؤينة الساقطة عليها يؤدي إلى توزيع هذه الطاقة خلال الخلايا، الأمر الذي يؤدي إلى ظهور أنشطة مختلفة داخلها. فهناك تأثير على الخلية يُوصَفْ بأنه مميت للخلية وهي تلك التي تؤثر على الأجزاء الحساسة من الخلية، وآخر يوصف بأنه غير مميت وهي التي تؤثر على الأجزاء غير الحساسة من الخلية مثل الجدار الخلوي.

فمنذ بداية القرن التاسع عشر الميلادي تم تسجيل ملاحظات حول تأثير الأشعة المؤينة على العاملين وذلك مثل تساقط الشعر واحمرار الجلد المتعرض للأشعة المؤينة. وإذا كان التعرض أكبر، ربما يصل الأمر إلى تقرحات في الجلد وربما إلى أعراض أخرى سرطانية Cancerous Symptoms بل ربما أدى إلى الموت.

أولاً: تأثيرات الإشعاع على الخلايا الحية Effects of Radiation on Living Cells

بصفة عامة عند تعرض أحد أعضاء الجسم الخارجية كاليد للأشعة السينية “مثلاً” ذات الطاقة المنخفضة، فإن هذا سيؤدي إلى احمرار وتقرحات في الجلد وبزيادة الجرعة تزداد الآثار وتتعمق ولكن لن تتأثر بقية أعضاء الجسم (ما تحت الجلد) بهذه الجرعات. وبطبيعة الحال عندما يحصل دمار كُلي للجلد سوف يكون هناك مضاعفات تؤدي إلى إيقاف الإخراجية للجلد. ولكن بنظرة خاصة ودقيقة يمكن تقسيم التأثيرات الحيوية الناتجة بسبب الأشعة المؤينة إلى:

  1. تأثيرات مباشرة Direct Actions وهي (إما جسدية Somatic أو وراثية Genetic)

  2. تأثيرات غير مباشرة Indirect Actions

أولاً: التأثيرات المباشرة Direct Actions

يؤدي هذا النوع من التفاعلات إلى تلف بعض أجزاء مكونات الخلية، وذلك بفعل اصطدام الجسيمات (أو الفوتونات) بها. ربما يكون التلف عاماً الأمر الذي يؤدي إلى إحباط عمل الخلية. أو يكون جزئياً مما يؤدي إلى فقد أحد وظائف الخلية مثل الانقسام. هناك نظرية تشرح إتلاف هدفاً معيناً من الخلية وتسمى نظرية الهدف Target Theory.

بإمكان نظرية الهدف وصف التأثيرات المباشرة على الخلية كمياً Quantitatively والتي تفترض أن تغيرات ضارة تحدث بسبب ترسب الطاقة خلال الحيز أو الهدف الحساس من الخلية. وسنعبّر عن التأينات خلال الهدف بالضربة Hit. وهذه الضربات لا تعتمد على بعضها ولكنها تتبع توزيعاً إحصائياً مثل توزيع بواسون Poisson Distribution. فعندما يتلقى الهدف كفايته من الضربات يحدث الموت الخلوي أو العقم الإنتاجي Reproductive Sterility. ويمكن التعبير عن ذلك بمصطلح “جزء المعيشة” Surviving Fraction والذي تصفه بالمعادلة التالية:

Untitled

حيث N هو عدد الخلايا المتبقية على قيد الحياة(الحية) بعد امتصاصها للجرعة D.

N0   العدد الأصلي للخلايا.

K   ثابت متعلق بالحساسية الإشعاعية النسبية للخلية.

إذا كانت ضربة واحدة كافية لإحداث موت خلوي أو إنتاجي فإننا سنحصل على منحنى أسي كما في الشكل التالي:

c5-fig-0003أما في حال الحاجة لضربتين أو أكثر فسوف يكون هناك منحنى آخر أكثر تعقيداً كما في الشكل نفسه. فالجسيمات المؤينة ذات المسار الثقيل Heavy Charge Particles غالباً تتبع المنحنى الأسي ذو الضربة الواحدة بينما الجسيمات المؤينة ذات المسار الخفيف Low Track Particles تتبع المنحنى الأسي المتعدد الضربات.

تعرف الجرعة المثبطة Inactivation Dose بجرعة 37% ويرمز لها بالرمز Dأو D37 وتعرّف على أنها الجرعة المطلوبة “نظرياً” لإحداث ضربة واحدة فقط في كل هدف بطاقة كافية لإماتة الخلية. فمن هذا التعريف يتضح لنا أنها تنجح في إبقاء 37%  من المجموع الكلي من الخلايا الحية بينما أي هدف آخر ربما أكثر من ضربة في الوقت الذي لا يضرب البعض الآخر على الإطلاق.

  • التأثيرات الجسدية Somatic Effects

يعتمد هذا النوع من التأثيرات الجسدية على عدد من العوامل، أهمها كمية الإشعاع ونوعه، الجزء المشعع من الجسم، وعمر المريض. حيث يزداد الخطر على المريض إذا كان صغيراً عنه إذا ما كان كبيراً، فهناك علاقة عكسية بين عمر المريض والخطر الناتج عن التعرض للأشعة فكلما زاد عمر المريض كلما قل الخطر الناتج إلا في مراحل العمر المتأخرة فإن الخطر الناتج يزداد. وأخطر مراحل التعرض للإشعاع من حياة الإنسان هي المرحلة الجنينية أي ما قبل الولادة حيث تكون الأجنة في هذه الحالة أكثر حساسية للإشعاع، مما يؤدي إلى التشوهات الجينية.

ومن التأثيرات الجسدية ما يصيب جهاز المناعة ومنها ما يصيب الأنسجة الحية والتي تنقسم فيها التأثيرات إلى تأثيرات فورية Prompt وتأثيرات متأخرة Delayed .

  • التأثيرات الفورية Prompt Effects

وتنقسم إلى تأثيرات موضعية وعامة

فالموضعية،

بسبب الجرعة الموضعية مثل الجرعة العلاجية Therapeutic  أو التشخيصية Diagnostic المسلطة على جزء من الجسم كالصدر. أو بسبب تركيز الجرعة مثل تجمع اليود المشع 131I في الغدة الدرقية Thyroid Gland أثناء العلاج الإشعاعي. أو بسبب حساسية خاصة مثل الأعضاء الحساسة أو الحرجة Critical Organs.

العامة،

بسبب تشعيع كامل الجسم Whole-Body Irradiation  فتزداد الأعراض خطورة مع ازدياد الجرعة الممتصة بل ربما يكون الموت المحتم بعد التعرض لجرعة معينة.

  • التأثيرات المتأخرة Delayed Effects

 ومن أشهر هذه التأثيرات هو عتمة عدسة العين والتي تعرف بالماء الأبيض Cataract وهو ليس خطراً على الحياة ولكنه غير مريح للمريض حيث أنه يسبب له آلاماً وعدم وضوح في الرؤية. وعادةً يبدأ في الظهور بعد مضي عدة سنوات من التعرض للأشعة.

أما بالنسبة للتاثيرات المناعية Immunological Effects حيث تكمن أهمية الجهاز المناعي في مهاجمته للأجسام الغريبة التي تدخل الجسم. فقد لوحظ أن للإشعاع تأثيراً على الجهاز المناعي فهو يثبط عمل هذا الجهاز ويقلل من استجابته، مما يؤدي إلى ضعف المصاب أمام أبسط الأمراض مثل البرد والزكام. ولقد وجد أن المرضى الذين فقدوا مناعتهم بسببالتعرض للجرعات الإشعاعية يستعيدونها فيما بعد.

  • التأثيرات الوراثية Genetic Effects

وهي التي تؤثر على الخلايا التناسلية Reproductive Cells التي بدورها تؤدي إلى شذوذ في النشئ. يعمل الأشعاع على إحداث تشوهات في الكروموسومات (المسؤولة عن انتقال الصفات الوراثية بشكل رئيسي من خلية إلى خلية ومن جيل إلى جيل). التي بدورها تؤدي إلى تشوهات جسمانية أو عقلية لدى الأطفال منذ الولادة ناتجة عن تعرض أحد الوالدين أو كلاهما للإشعاع المؤين (ربما أثناء الحمل بالنسبة للأم). وفي بعض الحالات لا تظهر هذه التشوهات الوراثية إلا بعد عدة أجيال من التعرض للإشعاع مما يؤدي إلى صعوبة متابعتها لدى الإنسان. ويصعب الأمر إذا علمنا أن بعضاً من التشوهات الوراثية يمكن أن تنتج بسبب العقاقير الكيميائية، حيث يجب التفرقة بينها وبين تلك الناتجة عن الإشعاع وهنا تكمن الصعوبة. ويزداد احتمال حدوثها لدى الرجال عنها عند النساء. حيث أن مهاجمة المراكز المسؤولة عن نقل الصفات الوراثية في الخلايا وهي DNA و RNA يؤدي إلى تدميرها، مما يؤدي إلى محو الصفات الموجودة في الجزء المدمر من شريط DNA و RNA .

إذاً كيف يحدث التلف في هذه المراكز الوراثية؟

هناك أربعة أنواع من التلف يمكن حدوثة في DNA  و RNA كما يلي:

  1. تلف قاعدي Base Damage. يحدث في القواعد النووية لهذه الأشرطة. يؤدي في الغالب إلى ظهور التشوهات، وفي بعض الحالات يؤدي إلى وفاة الخلية.
  2. كسر أحادي السلسلة Single-Strand Break.
  3. كسر ثنائي السلسلة Double-Strand Break.
  4. ربط ما بين كروموسومين Cross Linkage.

الشكل التالي يوضح أنواع الكسر الذي يحصل في DNA:

Untitled

بعض التفاعلات التي تحدث في الخلية تؤدي إلى إحباط لبعض وظائفها، ومن أهمها فقد الخلية مقدرتها على الانقسام. علاج التلف الخلوي يعتمد على حساسية الخلية للإشعاع، وكذلك تجزئة الجرعة الإشعاعية إلى عدة أجزاء يساعد الخلية على إصلاح ما أتلفه الجزء السابق من الإشعاع بنسبة عالية قبل بداية الجزء الذي يليه من التشعيع مما يساعد على بقاء الخلية، وهذا ما يسمى بتجزئة الجرعات الإشعاعية Dose Fractionation الذي يستخدم مع السرطان أثناء إعطائهم الجرعات الإشعاعية Radiotherapy.

ثانياً: التأثيرات غير المباشرة  Indirect Action

كما هو معروف بأن الإشعاع المؤين خلال الخلية يؤدي إلى حدوث إثارة وتأين في ذرات الجزيئات. هذه الحوادث تتم في غضون فترة زمنية وجيزة (10-16 ثانية) يتبعها عدد من الحوادث الكيميائية والفيزيائية في وقت سريع و متتابع. وبما أن أكثر مكونات الخلية عبارة عن ماء (حوالي75%) فإن نسبة كبيرة من هذه الطاقة الإشعاعية ستمتصها جزيئات الماء مؤدية إلى حدوث تفاعلات كيميائية كما يلي:

(H2O →H2O++e→H2O++e (eq)         (1

(H2O+→H++OH                                (2

(H2O→H2O*→H*+OH*                             (3

فعند تعرض جزيء الماء للأشعة المؤينة فإنه سوف يتأين كما في معادلة رقم (1) معطياً H2O++e. الإلكترون سيغادر الجزيء الأم وتصطاده جزيئات الماء التي تميل إلى تغيير وضعها الذي فيه ذرات الهيدروجين المشحونة مواجهة للإلكترون وذرات الأكسجين السالبة الشحنة بعيدة عن الإلكترون. هذه التوزيعات من الإلكترون المصطاد خلال جزيء الماء تسمى الإلكترون المذاب Solved Electron أو الإلكترون المائي Aqueous Electron ويمثل بالرمز eeq. أما مصير جزيء الماء المؤين H2O+ فهو موضح بالمعادلة (2). وينقسم إلى أيون هيدروجين H+ الذي هو بروتون وجذر هيدروكسيل OH*) Hydroxyle Radical)، والنقطة في أعلى O تدل على نقص إلكترون واحد في ذرة الأكسجين. وأخيراً فإن الماء يمكن إثارته بالإشعاع المؤين ليعطي جزيء ماء مثار H2Oكما في المعادلة رقم (3).

هذا النوع من التفاعلات يؤدي إلى إنتاج الجذور الحرة H* و*OH، هذه الجذور الناتجة من المعادلات (1)، (2)، (3) هي التي تهاجم DNA و RNA. ولهذه الجذور دور كبير في إحداث تفاعلات مع مكونات الخلية وبالتالي إحداث خلل لوظائفها. من وجهة نظر الدمار الحيوي ليس هناك فرق على الإطلاق فيما إذا دمرت الخلية أو مكوناتها عن طريق التأثيرات المباشرة أو غير المباشرة. لكن الظاهر لدينا أن معظم الدمار الحيوي يحدث عن طريق التفاعلات غير المباشرة وذلك لتواجد الماء بكميات كبيرة في الخلايا والأنسجة.

العوامل المؤثرة على الاستجابة الإشعاعية Factors Influencing the Effects of Irradiation

يمكن تقسيم هذه العوامل إلى نوعين:

أولاً: عوامل حيوية Biological Factors

منها ما يلي:

  • وضع الخلية The state of the Cell. من حيث كونها في حالة انقسام أو سكون. حيث وجد أن الخلايا التي تعرضت للإشعاع وهي في حالة الانقسام كانت استجابتها للإشعاع أكبر بحوالي 1000 مرة من تلك التي لم تكن في حال الانقسام.
  • العمرAge. حيث أن الحساسية تكون أعلى ما يمكن عند طرفي العمر عنها من مرحلة النضوج.
  • الظروف الفسيولوجية Physiological Condition. وجد أن إزالة الماء من الخلية يقلل من استجابتها للإشعاع.

ثانياً: عوامل فيزيائية-كيميائية Physical-Chemical Factors

من هذه العوامل ما يلي:

  • نوع الإشعاع Radiation Type. حيث لكل نوع من الأشعة المؤينة كفاءته وتأثيره على الخلية المتفاعل معها وذلك تبعاً لمعامل وزن الاشعاع.
  • الجرعة المعطاة Delivered Dose والتوزيع الزمني للجرعات (التجزئة) Fractionation Dose. من البديهي أن نذكر أنه كلما ازدادت الجرعة المعطاة كلما كان الدمار الناتج أكبر. وما يهمنا هنا هو أن الدمار يكون أقل إذا أعطيت الجرعة على عدة دفعات حيث بإمكان الخلية في كثير من الأحيان إعادة إصلاح ما أتلفته الجرعة السابقة.
  • تركيز الدم Blood Concentration. وهذا ناشئ عن وجود الأكسجين الذي بدوره يزيد من استجابة الخلايا للإشعاع.

المصدر:المنشور “103 للجنة الدولية للوقاية من الإشعاع”

“كتاب الإشعاع والعلاج الإشعاعي”.

تحرير بتصرف: مؤيد عيسى إسماعيل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *