مقدمة إلى الإشعاع المُؤيِّن

تنزيل

وجد بعض العلماء منذ زمن بعيد أن بعض المواد (العناصر) الموجودة في الطبيعة تكون غير مستقرة Unstable، الأمر الذي يحملها على القيام ببعض العمليات التقائية بحثاً عن الاستقرار. هذه العمليات (التلقائية) هي عبارة عن إضمحلالات Decays للأنوية Nuclei. وبهذا قد تترك النواة الناتجة في حالة إثارة مما يؤدي إلى انبعاث أشعة نووية Nuclear Radiation. وبهذا تعتبر هذه المواد مشعة أو نشطة إشعاعياً ويمكن أن تعتبر مصادر مشعة Radioactive Sources. تم اكتشاف النشاط الإشعاعي الطبيعي على يد بيكرل Becquerel وذلك عن طريق فحص المستحلب الفوتوغرافي Photographic Emulsion الذي اسود نتيجة قربه من مركب يورانيوم Uranium طبيعي، وكانت تلك بداية اكتشاف الإشعاع.

اجتهد الإنسان في تطور العلوم بفروعه المختلفة بما فيها الفيزياء إلى أن تم التوصل إلى اكتشاف الإشعاع الصناعي وذلك باكتشاف الأشعة السينية X-ray عام 1895م على يد وليام كونراد رونتجن W. C. Roentgen. وتوالت بعد ذلك الاجتهادات والاكتشافات الفيزيائية والإشعاعية من قِبل كل من رذرفورد Rutherford  والسيدة ماري كوري Marie Curie وزوجها بيير كوري Pierre Curie إلى أن أصبح الإشعاع من أهم الظواهر التي يتحدث عنها الناس ومن الأمور التي لا غنى عنها في حياتنا المعاصرة وأصبحت الحاجة إليه تزداد بصورة تصاعدية. وقد أكدوا فيها جميعاً أن بعض الأنوية ليست مستقرة تماماً مما يجعلها تقوم بإصدار إشعاعات نووية لتصل إلى وضع الاستقرار،. في الجدول التالي بعض الإشعاعات النووية:

1

بعض الإشعاعات النووية

ومما لا يدركه البعض أننا قد نتعرض للإشعاع خصوصاً المؤين منه Ionizing Radiation من بيئتنا التي نعيش فيها وذلك عن طريق الهواء الذي نستنشقه أو الماء الذي نشربه والطعام الذي نأكله. حيث توجد بعض من العناصر المشعة مثل البوتاسيوم (Potassium (K والرادون (Radon (Rn  والراديوم (Radium (Ra  وغيرها من المصادر التي ربما كان الإنسان سبباً في وجودها.

وعلى هذا فيمكننا تقسيم الإشعاع المؤين إلى قسمين، إشعاعات طبيعية Natural Radioactive، وإشعاعات صناعية Artificial Radioactive. وقد أصبح لهذه إلإشعاعات (النووية والذرية) تطبيقات واسعة في مجالات عديدة منها الصناعي كصناعة الأسلحة وحفظ الأغذية، ومنها الطبي بفرعيه التشخيصي والعلاجي، ومنها الزراعي حيث تحسين المحاصيل الزراعية. وجميع هذه التطبيقات تعتمد على تفاعلات الأشعة المؤينه التي تحدث في المادة.

يتعرض الكائن الحي للمجال الإشعاعي المؤين عن طريق المصادر الإشعاعية خصوصاً الطبيعي منها وبالتالي يتعرض لجرعات إشعاعية دون الشعور بذلك ولذا وجب معرفة كمية الإشعاع المؤين عن طريق قياس وتحديد هذه الجرعات باستخدام الأجهزة والكواشف الإشعاعية الخاصة بذلك. وعلى الرغم من انتشار استخدام الأشعة المؤينة إلا أن لها أضراراً بالغة الخطورة منها الداخلي ومنها الخارجي وقد يتطور الضرر الإشعاعي ويؤدي إلى استثارة الخلايا السليمة Healthy Cells وتحولها إلى خلايا سرطانية Cancerous Cells أو ربما أدى إلى موتها.

النشاط الإشعاعي Radioactivity

يُعرف النشاط الإشعاعي بكمية التفككات الحاصلة في الأنوية خلال وحدة الزمن، أما وحدة النشاط الإشعاعي فتُعرف بالبيكرل وهي تفكك واحد بالثانية ( Bq = 1 s–1) ولكل مصدر مشع من هذه المصادر ما يسمى بفترة عمر النصف الزمني Half-Life ويرمز له بالرمز T1/2، وهذه الفترة هي من خصائص المصدر المشع. ويمكن تعريف عمر النصف الزمني بالفترة الزمنية التي ينقص فيها العدد الأصلي للأنوية المشعة إلى النصف. في الجدول التالي يوضح أنصاف أعمار المواد المشعة:

2

أنصاف أعمار بعض المواد المشعة

ولمعرفة مقدار الذرات المتبقية هناك معادلة يطلق عليها معادلة الاضمحلال النووي وهي تأخذ الشكل التالي:

N(t) = Ne-λt

حيث (N(t تمثل عدد الأنوية المشعة المتبقية عند الزمن t،

N0 العدد الأصلي للأنوية،

وλ ثابت الاضمحلال Decay Constant، وهو يعطى بالعلاقة:imagesو t  هو الزمن الحالي.

أنواع الإشعاعات Radiation Types

يمكن تقسيم الإشعاع إلى قسمين رئيسيين:

  1. الإشعاع المؤيّن Ionizing Radiation
  2. الإشعاع غير المؤيّن Non-ionizing Radiation

أما الإشعاع غير المؤيِّن فليس لديه القدرة على تأيين الذرات ومن أمثلتة:

  1. الضوء العادي Light
  2. الأشعة فوق البنفسجية Ultraviolet Radiation
  3. الأشعة تحت الحمراء Infra-red Radiation
  4. أشعة الليزر Laser Radiation

الإشعاع المؤين Ionizing Radiation

سمي بذلك لأن هذا النوع من الإشعاع له القدرة على تأيين الذرات التي يمر خلالها وذلك بإخراج جسيم (أو عدة جسيمات) ذو شحنة معينة من الذرة متعادلة الشحنة وتبقى بقية الذرة تحمل شحنة معاكسة لهذا الجسيم (أو الجسيمات) المنطلق من الذرة.

ويمكن تقسيم الإشعاع المؤين إلى إشعاعات جسيمية وإشعاعات كهرومغناطيسية كما يلي:

أولاً: الإشعاعات الجسيمية Particle Radiation

وهي عبارة عن أجزاء من الذرة تتواجد بوفرة في الفضاء وبسرعات مختلفة كما يمكن الحصول عليها صناعياً عن طريق إخراجها من الذرة بأحد المتفاعلات المناسبة. من أمثلة هذه الإشعاعات الجسيمية ما يلي:

  1. جسيمات ألفا Alpha Particles
  2. جسيمات بيتا Beta Particles
  3. النيوترونات Neutrons
  4. البروتونات Protons
  • جسيمات ألفا (Alpha Particles (α

إن جسيمات ألفا ما هي إلا عبارة عن نواة ذرة الهيليوم 42He2  والتي تحتوي على نترونين وبروتونين (2n+2p). وبالطبع تكون هذه الجسيمات مرتبطة مع بعضها البعض بشدة بحيث تعامل كجسيم واحد كتلته 4U حيث U وحدة الكتلة الذرية (Atomic Mass Unite (amu وقد اعتبرت وحدة الكتلة الذرية الواحدة تساوي 1/12 من كتلة ذرة الكربون (C12) غير المثارة Non-excited والمكونة من النواة وستة إلكترونات (amu 1 = 1.6605655 x 10-27 kg).

هذه الجسيمات تحمل وحدتي شحنة موجبة. وهي ذات مدى قصير جداً، فهي تسير مسافة قصيرة في الهواء لا تتعدى بضع سنتيمترات تحت ظروف قياسية من الضغط ودرجة الحرارة (STP) (00 C and 760 mm Hg)، في حين أنها تسير بضع ميكرونات في النسيج الحيوي، وتكفي الورقة العادية لإيقافها. ويرجع السبب في ذلك لكتلتها الثقيلة التي تجعلها تسير ببطء مما يمكنها من تأيين المادة بشكل كبير، إضافةً لشحنتها العالية التي تساعد على التأين بشكل كبير أيضاً، الأمر الذي يؤدي إلى فقدانها للطاقة فتتوقف بسهولة بعد مسافة قصيرة من مرورها في المادة. وهذا التأين غير المتجانس على مسارها يصل إلى أقصاه بالقرب من نهاية مداها، كما هو موضح في الشكل التالي:

Bragg_Curve_for_Alphas_in_Air

مسار جسيم ألفا، ويظهر مدى الازدياد في مقدار التأين بالقرب من نهاية المسار

  • جسيمات بيتا β)  Beta Particles) 

وهي جسيمات ناتجة عن تفكك أنوية بعض الذرات غير المستقرة وتحولها، فتنطلق منها جسيمات إما سالبة الشحنة وتسمى جسيمات بيتا السالبة او النيجاترونات Negatrons (إلكترونات نووية Nuclear Electrons) ورمزها (β) أو جسيمات موجبة الشحنة وتسمى جسيمات بيتا الموجبة ويطلق عليها اسم البوزيترونات Positrons ورمزها (+β).

وهذه الجسيمات سريعة جداً لها كتلة تساوي كتلة الإلكترونات الذرية Atomic Electrons  وتحمل وحدة واحدة من الشحنة السالبة في حالة جسيمات بيتا السالبة والأمر ذاته بالنسبة للبوزيترون لكنه يحمل وحدة واحدة من الشحنة الموجبة. وبالطبع تتفاعل جسيمات بيتا مع المادة، وقابليتها للتأين أقل من قابلية جسيمات ألفا، مما يجعل مداها في الوسط أكبر من مدى جسيمات ألفا، ومن الممكن أن يصدر من معظم المصادر الطبيعية مثل 136Cs  الذي يصدر β و La136  الذي يصدر +β. ويمكن إنتاجها صناعياً من مصادر أخرى مثل مسرعات الخطية Linear Accelerators.

  • النترونات (Neutrons (n

أكتشف العالم تشادويك Chadwick  في عام 1932م النيوترون وذلك عن طريق دراسته لارتداد البروتون في طبقة البارافين Paraffin Wax (C6H12)4 عند رميها بالإشعاع المتولد من مصدر (البولونيوم/بريليوم) حيث وجد أن هناك اصدار لدقائق (جسيمات) متعادلة الشحنة أطلق عليها اسم النترونات. هذه الجسيمات ذات سرعة كبيرة تتفاعل مع المادة وتؤينها كسابقتيها α و β ولكن هذا التأين غير مباشر Indirect Ionization. وهي ذات مدى كبير وذلك ناتج عن تعادل شحنتها فلا تفقد طاقتها بشكل سريع كأشعة ألفا عند التأين، حيث أنها عند تصادمها مع أنوية الذرات يتحرر نيوكلون Nucleon أو أكثر (بروتونات، نترونات أو جسيمات الفا) وبما أن هذه النيوكلونات مشحونة (ماعدا النترونات) فهي تقوم بإحداث التأين في المادة خلال مسارها، وتسمى هذه العملية بعملية التأين الثانوي غير المباشر (Secondary Ionization).

وللنترونات عدة طرق لإنتاجها نذكر منها ما يلي:

  • استخدام المصادر المشعة Radioactive Sources، والذي يتم فيه استخدام مصدر يبعث جسيمات ألفا مختلط مع مسحوق من عنصر آخر يعمل كهدف لهذه الجسيمات ليتم فيه إحداث تفاعل من نوع (α,n) والذي يطرد فيه أحد نترونات العنصر الهدف، في التفاعل التالي:

9Be + α → 12C + n + 5.6 Mev

وكذلك الحال يمكن استخدام تفاعل آخر من نوع (ɣ,n) لإنتاج النترونات وتسمى بالنترونات الضوئية Photoneutrons مثال ذلك: D(ɣ,n)1H، حيث D ترمز لنظير ذرة الهيدروجين 11H0 وهي تحتوي بالإضافة للبروتون نتروناً وتكتب أحياناً على الصورة 21H1 وتسمى ديوترون Deuteron، وهذا التفاعل يتم عند طاقة دنيا للفوتون الساقط ( Eɣ=2.23 Mev).

  • الانشطار النووي Nuclear Fission. كانشطار اليورانيوم 235U) 235) عند امتصاصه للنترون الساقط والذي ينتج عنه ذرتين متماثلتين (تقريباً) في الكتلة وذات معدل N/P (حيث N تمثل عدد النترونات و P تمثل عدد البروتونات) أقل من النواة الأم 235U. حيث تتراوح هذه النسبة في نواتج الانشطار من 17 إلى 1.25 فالفائض من النترونات ينطلق أثناء عملية الانشطار النووي كما في المثال التالي:

n + 235U → {A} + {B} + Xn + 200 Mev

حيث  A و B هما نواتج الانشطار Fission Products.

Xn: عدد X من نترونات الانشطار n.

  • مولدات النترونات Neutron Generators. وفيها يتم تعجيل الجسيم القذيفة إلى طاقة معينة تمكنه من إحداث التفاعل، ومن ثم توجه هذه الجسيمات لتصطدم بالنواة الهدف لإحداث تفاعل معين تطرد فيه إحدى نترونات الهدف كما في التفاعل التالي:

P + 7Li → 7Be + n – 1.63 Mev

  • البروتونات (Protons (P

جسيمات موجبة الشحنة كتلتها تساوي (تقريباً) كتلة النترونات. موجودة داخل النواة (مع النترونات) وهي التي تكسب النواة الشحنة الموجبة وشحنتها الموجبة تكافئ الشحنة السالبة للإلكترونات خارج النواة مما يجعل الذرة متعادلة كهربائياً. وفي الذرة المتعادلة، دائماً ما يكون عدد البروتونات يساوي عدد الإلكترونات ويرمز له بالرمز Z ويسمى العدد الذري. وللبروتونات استخدامات عديدة منها إنتاج العناصر.

ثانياً: الإشعاعات الكهرومغناطيسية Electromagnetic Radiation

تنقسم الإشعاعات الكهرومغناطيسية إلى قسمين هما:

  • أشعة غاما Gamma Radiation
  • الأشعة السينية X-ray
  • أشعة غاما (Gamma Rays (ɣ

وهي عبارة عن أشعة كهرومغناطيسية Electromagnetic Radiation، تحمل أثناء انتشارها مجالين متعامدين، أحداهما كهربائي والآخر مغناطيسي، تنبعث على شكل فوتونات Photons (والفوتونات هي عبارة عن كمات من الطاقة ليس لها كتلة ولها خواص تشبه خواص الضوء العادي). وتتكون هذه الأشعة من جيوب من الطاقة المتنقلة على شكل حركة موجية، وتختلف هذه الأشعة من ناحية تأثيرها وكيفية تفاعلها مع المواد، وذلك ناتج عن اختلاف الترددات  (ѵ) مما يجعل الطاقات (E) مختلفة تبعاً للقانون:

E = hѵ

حيث E  طاقة الفوتون،و h ثابت بلانك Planck’s Constant،

و (ѵ) تردد الفوتون حيث:

3

و (C) سرعة الضوء،

و (λ) هي الطول الموجي للفوتون

wewe

ومن الممكن أن يكون انبعات أشعة غاما مصاحباً للانحلال النووي ألفا أو β (مثال: اضمحلال نواة الـ Co60 حيث تضمحل بإطلاق جسيمات β ويرافقها إصدار لأشعة غاما بطاقتين مختلفتين عند 1.17 Mev  و  1.33 Mev)، كما هو موضح في الشكل التالي:

Untitled

اضمحلال نواة Co-60 ومستويات الطاقة المختلفة لها

  • الأشعة السينية X-Ray

الأشعة السينية X-Ray تشبه أشعة غاما ولكن هناك فرق أساسي بينهما، من حيث المنشأ، وهو مصدر كلٍ منهما حيث أن أشعة غاما تصدر عن التغيرات الحادثة في النواة في حين أن أشعة-X تَصدر من خارج النواة بسبب تفاعلات الإلكترونات في الذرة وتنقلاتها الداخلية. هذه التفاعلات إما أن تكون:

  • ذاتية أي أن يهبط أحد إلكترونات المدارات العليا ليملأ فجوة تركها أحد إلكترونات المدارات الداخلية إثر تفاعله مع فوتون أو إلكترون خارجي. وفي هذه الحالة تسمى الأشعة السينية المميزة Characteristic X-ray وذلك لأنها من المدار وتميز الذرة المصدرة لهذا الإشعاع.
  • أو تكون ناتجة بسبب كبح الإلكترونات السريعة القادمة من خارج الذرة وتفاعلها مع المجال النووي مما يؤدي إلى فقدانها السريع للطاقة بسبب التغير المفاجئ لمسارها وهذا هو الأسلوب المتبع في إنتاج الأشعة السينية في عدة مجالات ومنها المجالات الطبية. وهذا النوع من أشعة-X يطلق عليه اسم أشعة الكبح Braking Radiation) Bremsstrahulung Radiation أو الأشعة البيضاء White Radiation أو الأشعة المستمرة Continuous Radiation.

المصدر: كتاب الإشعاع والعلاج الإشعاعي – د. سمير نتو

تحرير بتصرف: مؤيد عيسى إسماعيل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *