ماري سكودوفسكا – كوري

images (2)

ولدت ماري سكوودوفسكا – كوري في نوفمبر عام 1867م ببولونيا (بولندا) والمفككة حينها بين جيرانها البروسيين والنمساويين والروس الأقوياء حيث كان والدها يعلم الرياضيات والفيزياء في إحدى الثانويات الحكومية أما أمها فكانت تدير مدرسة داخلية للبنات ، ماريا التي كانت الأصغر سنا في عائلتها تلقت هي وإخوتها وأخواتها تعليما قويا على عالم الإنسانيات والعلوم وعلى الرغم من الساعات الطويلة التي كان والديها يقضيانها في العمل فإن ما كان لديهم من المال يكاد يكفي بصعوبة لسد حاجيات المنزل، ذلك لأن والد ماري كوري كان محروما بسبب معتقداته السياسية من المطالبة بالمراكز التعليمية المجزية، ولم يكن بمقدور الأسرة الحصول على العناية الطبية الحسنة بسبب عجزها المالي فماتت صوفيا كبرى أخوات ماري بالتيفوس عام  1876م، وبعد ذلك بعامين توفيت والدتها إثر إصابتها بنوبة سل طويلة.

وكان والد ماري مضطرا لأن يؤوي بعض النزلاء لكي يجني المزيد من المال، لذلك كانت تنام ماري غالبا في غرفة المعيشة، فلم تكن ظروف دراستها على ما يرام، ومع ذلك كانت طالبة مجدة. فازت في المدرسة الثانوية بالجائزة الذهبية في اللغة الروسية على الرغم من أن الحكومة القيصرية كانت المسؤولة عن سياسة الكبت في بولونيا ذلك الوقت. وقد أكملت ماري تعليمها النظامي بقراءة بعض المؤلفات الأدبية والسياسية لكتاب مختلفين من دستوفسكي حتى ماركس.

أرادت ماري دخول الجامعة لكن مقاعد قاعات المحاضرة كانت محضورة على النساء لذلك قامت بعقد اتفاق مع شقيقتها برونيا، فقررت مغادرة وارسو لتعمل مربية لأطفال مدير الصحة البولونية الذي كان يقيم بالقرب من برزاسنيز Przasnysz وذلك لكي تدفع لأختها برونيا تكاليف دراستها في فرنسا. وبعد ثلاثة أعوام من رتابة الريف عادت ماريا إلى وارسو لتكون قريبة من أسرتها وفي أثناء ذلك نما لديها اهتمام بالكيمياء. وحين أصبحت أختها برونيا دكتورة في الطب في فرنسا ألحت على ماري بأن تأتي إلى باريس.

و في عام 1891م حملت ماري أمتعتها ورحلت إلى فرنسا، وهناك نالت منحة لدراسة الرياضيات والفيزياء في السوربون. وعلى الرغم من أنها كانت تقيم مع أختها وزوج أختها فقد وجدت أن المسافة الطويلة التي عليها اجتيازها للوصول إلى السوربون وانقطاعها المتكرر عن دراستها في منزل أختها أوجبتا عليها استئجار غرفة صغيرة بالقرب من الجامعة. وكان عليها أن تعيش بمبلغ زهيد قدره 10فرنك في الشهر لذلك كانت غالبا ما تذهب من دون طعام أو فحم لموقدها حتى في أبرد أشهر الشتاء وقد أغمي عليها من الجوع في أكثر من مرة، كما كانت تعاني بسبب سوء التغذية من أمراض مختلفة، إلا أنها على الرغم من مصاعبها الشخصية، تابعت دراستها بجهد عقلي فريد ونجحت في فحوص الليسانس المرهقة في الفيزياء والرياضيات بدرجة الشرف في عام 1893م و 1894م على التوالي. وفي ذلك الوقت التقت ببيير كوري الذي كان قد حقق لنفسه شهرة ببحثه في الظواهر المغناطيسية و اكتشافه الكهرباء الضغطية ، وكان يعمل رئيسا لمختبر مدرسة الفيزياء والكيمياء في باريس .

عادت ماري والمتعلقة جدا بعائلتها إلى وارسو بحيث قررت أن تعلم وان تشارك بهذه الطريقة في تحرير بولندا وكتب لها وهي هناك “سأتجرأ وأقول إنه سيكون من الجيد أن نقضي بقية حياتنا سويا مسحورين بأحلامنا بحلمك الوطني وحلمي الإنساني وحلمنا العلمي. فتزوجا بعد عام من لقائهما الأول في المختبر فانضمت إلى زوجها في مختبره.

في 1896م وبعد اكتشاف “هنري بيكريل” للخاصية الإشعاعية لليورانيوم، اختارت ماري البحث في أشعة اليورانيوم كمجال بحث لرسالة الدكتوراه الخاصة بها ودراسة النشاط الإشعاعي بصفة عامة وكان زوجها يدعمها في هذه الجهود وباشرا تحريات منظمة عن النشاط الإشعاعي والعناصر الثقيلة، ولم يكتفيا بتثبيت اكتشافات بيكريل بل حققا أيضا بعض الاكتشافات الهامة الجديدة، كما أثبت الزوجان كوري أن النشاط الإشعاعي هو خاصة ذاتية للذرة.

لكن بعد فترة وجيزة من اكتشافهما للبولونيوم والذي سمي بذلك تيمنا بمسقط رأس ماري حققا اكتشافا عظيما والذي يتمثل في عزلهما لعنصر عن فلز البتشلند والذي أطلقا عليه اسم الراديوم، فقد لاحظت ماري كوري أن فلز أوكسيد اليورانيوم، كان نشاطه الإشعاعي يفوق نشاط اليورانيوم بـ 900 مرة، وقد تحققت بمساعدة بيير من صحة تخمينها بأن عزلت الراديوم عن البتشلند في عام 1898م فكان ذلك حدثا خطيرا تمخض عن ولادة علم الكيمياء الإشعاعية.

ومن أجل إقناع المُشكِّكين كان الزوجان بحاجة لكمية كبيرة من عنصر الراديوم النقي من أجل دراسة خصائصه حيث من أجل الحصول على عدة مليغرامات من الراديوم يستلزم طنا من البتشلند وبفضل دعم أحد الصناعيين من ضواحي باريس خطى الزوجان كوري الخطوة النهائية في بحثهما. لكن لم يكن من السهل الوصول إلى هذا الاكتشاف العظيم إذ كان عليهما العمل في ظروف صعبة جدا وأن يواظبا مدة خمسة وأربعين شهرا، تكاد أن تكون بلا انقطاع، فأنهكهما الجهد الجبار ولا سيما منذ أن كان عليهما القيام بواجبات التعليم الإضافي ذلك الوقت لدعم دخلهما الهزيل. ولم تكن ماري تدرك حينئذ أن فقر الدم الدائم عندها والإعياء الجسدي كانا نتيجة تعرضها لتأثيرات الإشعاع.

وعلى الرغم من أن ماري كانت قد بدأت بحثها في النشاط الإشعاعي لإتمام متطلبات الدكتوراه في السوربون، فقد أهملت المضي في شكليات طلب هذه لدرجة ولكن فضلها المبين في بحثها أقنع الإداريين بأن يتساهلوا في المتطلبات الرسمية، فهُيئ لها امتحان الدكتوراه في يونيو عام 1903م، ثم منحها الدرجة فورا. والأهم من ذلك هو أنه لم تمض سوى 6 أشهر على منحها الدرجة حتى شاركت زوجها كالعادة وهنري بيكريل بجائزة نوبل في الفيزياء للعام 1903م، إلا أن المرض منع ماري و زوجها بيير من السفر إلى ستوكهلم للاحتفال الرسمي هناك .

في عام 1905م خُصص لبيير في السوربون كرسي جديد للفيزياء ثم انتخب حالا بعد ذلك عضوا في أكاديمية العلوم، ولكن لم يتح له لسوء الحظ أن يسعد طويلا بمنزلته الرفيعة الجديدة فقد قتلته عربة خيول شاحنة في 19 أبريل عام 1906م عندما كان يحاول اجتياز أحد الشوارع في طقس عاصف. وكان موته مأساة بالنسبة لماري فحملها أعباء تزيد على أعبائها، وكان عليها أن تربي وحدها طفلتيها الصغيرتين.

وكانت مواقف العديد من أعضاء الكلية في السوربون محافظة إذ كانوا يتساءلون هل يمكن أن تصلح أي امرأة أن تكون أستاذة فيزياء، وعلى الرغم من ذلك اختيرت ماري بتصويت مجلس الكلية بالإجماع لتخلف زوجها في كرسيه في السوربون حيث تابعت عملها في المخبر فكان تعيينها حدثا تاريخيا لأنه لم يسبق أبدا أن اختيرت امرأة لتعلّم في السوربون، ولكنها لم تكن سعيدة بقاعة محاضراتها لاعتقادها بأنه كان من الأنسب لها أن تجري تجارب في المختبر ومع ذلك فقد تظافر إجراؤها التجارب الإيضاحية مع شهرتها العالمية في ضمان شعبية محاضراتها.

لم تتوقف ماري عن تفانيها في سبيل العلم فتنازلت عن مكافأة وسام جوقة الشرف في عام 1910م إذ سبق لها أن حازت على منحة من وزارة التربية. وعلى الرغم من الإشاعات التي كانت تطلقها بعض الصحف المخزية إلا أن ماري الشجاعة حولت اهتمامها للإعانة في تأسيس معهد للراديوم ووضع قياسات معيارية له. وقد كلفها مؤتمر العلاج بالإشعاع، الذي أقيم في بلجيكا عام 1910م، بمهمة استخلاص 20 ملغرام من معدن الراديوم كي تودع في مكتب الموازين والمقاييس في باريس. كما أحيا هذا المؤتمر ذكرى زوجها بأن أطلق اسم كوري على وحدة قياس الإشعاع الصادر عن الراديوم.

في سنة 1911م نالت ماري جائزة نوبل في الكيمياء لتصبح بذلك أول إنسان ينال جائزة نوبل مرتين، وقد أُستخدم معظم المال لتمويل مشاريع بحوث علمية. وفي عام 1914م تألفت هيئة معهد الراديوم التي اكتمل بناؤها بعد ذلك في العام نفسه، فعملت فيها ماري عضوا، ولكنها وجدت أن الإداريين غير متعاطفين مع العديد من مشاريع البحوث التي اقترحتها. وعلى الرغم من أنها كانت رقيقة الحديث وكادت أن تكون متحفظة مع غير العلميين فقد أقنعها اندلاع الحرب العالمية الأولى والإصابات الكبيرة في جنود القوات الفرنسية، الذي تحملوا وطأة الغزو الألماني في شمال فرنسا بأن توجه التماسا عاما لرصد مبالغ لتجهيز سيارات اسعاف في ميدان المعركة مع فريق للمعالجة بالأشعة، وقد نجحت جهود التمويل واختيرت ماري من قبل الصليب الأحمر لتكون الرئيس الرسمي لمصلحة المعالجة بالأشعة، كما خصصت ماري بمعونة ابنتها إيرين دروسا متقدمة في الطب الإشعاعي وعلمّت الأطباء تقنيات جديدة لزرع أشياء غريبة في جسم الإنسان.

بدأ معهد الراديوم عمله وانضمت ماري إلى هيئة أساتذته و كان ذلك في أعقاب هدنة عام 1918م، ثم أتت حملة جمع تبرعات خاصة في الولايات المتحدة في عام 1921م بما يكفي من المساهمات لشراء غرام واحد من الراديوم قدمه الرئيس Warren G. Harding رسميا لماري عند زيارتها للولايات المتحدة في ذلك العام. وعلى الرغم من أن ماري لم تكن تعبأ للإعلام الذي كان يلاحقها منذ أن نالت جائزة نوبل الأولى فإنها تأثرت تأثرا عميقا بهذه الهدية التي حض على تقديمها أحد الصحفيين الذي كان معجبا بشعور الإخلاص والإحساس بالمصلحة الوطنية لدى ماري.

وقد أمضت ماري السنوات الباقية من مسيرتها العلمية وهي تشرف على توسيع هيئة مدرّسي معهد الراديوم الذي ضم 17 قومية مختلفة منذ عام 1933م، ومع ذلك فقد كانت ملزمة على الانقطاع عن واجباتها بسبب سوء صحتها فقد خضعت أربع عمليات لاستئصال الساد (إعتام عدسة العين)، وغالبا ما كانت تعاني من جروح في أصابعها. ونظرا لعدم قدرتها على العناية بنفسها بصورة ملائمة دخلت مصحًّا في باريس. واستمرت صحتها بالتدهور ثم رقدت بسلام في 4 يوليو عام 1934م. وعلى الرغم من آيات التكريم والثناء التي قدمت لها بعد موتها فلربما كانت كلمة أينشتاين أكثر تأثيرا من غيرها، فقد كتب “إن قوتها ونقاء إرادتها وتقشفها نحو نفسها وموضوعيّتها وصحة أحكامها التي لا تخطئ، كل ذلك كان من نوع يندر أن نجده مُجتمعًا في شخص واحد… وإن أعظم عمل في حياتها هو إثبات وجود العناصر النشيطة إشعاعياً وعزلها، يعود إنجازه لا لإلهامها الجريء الجلي فحسب بل تفانيها ودأبها على تنفيذه في أقسى الظروف الخارجية التي يمكن تصورها، فمثل ذلك لا يحدث غالبا في تاريخ العلم “.

المصدر: كتاب قصة الفيزياء و وثائقي الجزيرة “ماري كوري.. ما وراء الأسطورة”.

تحرير بتصرف: رتيبة عيلان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *